العلامة المجلسي

411

بحار الأنوار

ينطق بالحكمة ويبينها ( 1 ) فيها ، قال : فلما أوتي الحكم ( 2 ) ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان ، فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة ، وكل ذلك يهوي في الخطاء يقيله الله ويغفر له ، وكان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه ، وكان يقول داود له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة ، وصرفت عنك البلية ، وأعطي داود الخلافة ، وابتلي بالخطأ ( 3 ) والفتنة . ثم قال أبو عبد الله في قول الله : " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " قال : فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر وانشق ، وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال : يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد . يا بني جالس العلماء وازحمهم بركبتيك ، ولا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا بلاغا ، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك ، وصم صوما يقطع شهوتك ، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة ، فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام . يا بني إن الدنيا بحر عميق ، قد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الايمان ، واجعل شراعها التوكل ، واجعل زادك فيها تقوى الله ، فإن نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت فبذنوبك . يا بني إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ، ومن عنى بالأدب اهتم به ، ومن اهتم به تكلف علمه ، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه ، ومن اشتد له طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة ، فإنك تخلف في سلفك ، وتنفع به من خلفك ، ( 4 ) ويرتجيك فيه راغب ، ويخشى صولتك راهب ، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره ، فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة ، فإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة ، واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا

--> ( 1 ) في نسخة : ويبثها . ( 2 ) هكذا في نسخ وفى المصدر ، وفى نسخة : فلما اوتى الخلافة ولم يقبلها . ( 3 ) في نسخة : وابتلى بالحكم بالخطأ . ( 4 ) في المصدر : وينفع به من خلفك .